الروليت الطبي
جلست
مرتجف الأوصال على المقعد المخصص.. و للحظات عديدة شرعت أحدق في المحاقن الستة
المتراصة بذلك الجهاز الزجاجي على الطاولة أمامي، متحاشياً بذلك النظر إلى مقدمة
البرنامج الجالسة قبالتي، أو الجمهور من حولي..
"و
الآن.. مع متسابقنا التالي الدكتور ....."
ابتلعت
ريقي – بصعوبة بالغة كأنه الزقوم- و نطقت باسمي، و من ثم دوى التصفيق و بدأت
الشاشات المحيطة في عرض لقطات معدة مسبقاً أتحدث فيها عن نفسي، و سبب تسجيلي
بالبرنامج، و ما الذي انتوي فعله بالجائزة.. إلخ.. إلخ...
لكني لم
أكن مهتماً على الإطلاق بما يدور على الشاشات أو من حولي.. في الواقع كنت استشعر
عدد حبات العرق التي تحتشد على جبيني الأيسر، محاولاً بذلك أن ألهي نفسي عن توتري
و خوفي..
انتهي
العرض القصير فبدأت مقدمة البرنامج في الحديث بصوتها الرنان و ابتسامتها
المعسولة.. كلام كثير عن شجاعتي، و تضحيتي من أجل مستقبلي، و الهدف النبيل من
البرنامج.. إلخ.. إلخ..
طبعاً
كل هذا كلام فارغ.. أنا اعرف و هي تعرف و الجمهور يعرف أنه كلام فارغ..
البعض
يقول أن البرنامج برمته هو مؤامرة إسرائيلية تستهدف العرب.. حسناً، بصراحة أنا لا
استبعد ذلك..
هنا
بدأت المقدمة في شرح قواعد اللعبة، و التي اعرفها مسبقاً:
"لعبتنا
هي لعبة طبية بحتة، و لكنها تشبه الروليت الروسي لذلك ندعوها الروليت الطبي"
الروليت
الطبي؟ هه.. ربما كان من الأفضل أن يطلقوا عليها الروليت المرضي، أو الروليت
المميت..
"
على المتسابق أن يختار واحد من المحاقن الستة.. كل محقن يحمل احتمال معين، و
تتراوح الاحتمالات من لا شيء على الإطلاق ، مروراً بالمرض، و انتهاءاً بــ....الموت"
عند
الكلمة الأخيرة دوت موسيقى مخيفة توحي بالخطر، حتى لشعرت أن دقات اللحن هي دقات
قلبي ذاتها، بينما أطلق البعض شهقات مصطنعة.. هل يسخرون مني؟ أنا اعلم أنهم يستمتعون
بهذا كثيراً.. فلأحرص إذاً أن أمتع هؤلاء الأثرياء إلى أقصى حد..
"و
في جميع الحالات يحصل المتسابق – أو ورثته- على مبلغ و قدره....."
ضاعت
الجملة الأخيرة وسط التصفيق الحماسي..
لماذا
تنظر لي باحتقار هكذا؟ هل تظن أنني قد أفكر – و لو لحظة- في تغيير رأيي؟ لقد تأخر
الوقت كثيراً على هذا.. أنت لم تجرب عضة الفقر.. نعم أنا طبيب، لكن الطبيب كأي شخص
آخر قد يواجه ظروفاً قاسية.. ظروفاً على غرار تخلي الوظيفة الحكومية عنه.. يقترض و
يقترض.. ليجد نفسه في عيادة حقيرة لا يدخلها الرزق، و رب أسرة هي في أشد الحاجة
له.. و أخيراً يعرف أن مرضه أو موته هو أفضل ما يستطيع تقديمه لها..
"لنرى
ما الاحتمالات التي تقدمها لنا اللعبة اليوم"
هنا فقط
أفقت من خواطري و أنصت في ترقب..
"الاحتمال
الأول: فيروس الالتهاب الكبدي سي"
حسناً،
هذا يبدو جيداً إلى حدٍ ما بالنسبة لي.. قد أتمتع بصحتي لفترة لا بأس بها، و إن
كان هناك احتمال الإصابة بسرطان الكبد في النهاية..
"الاحتمال
الثاني: بكتيريا الدرن"
الدرن؟
هذا غريب.. ليس من عادتهم أن يضيفوا مرضاً قابلاً للعلاج، و إن كان بالطبع الدرن
من الأمراض التي تنتشر بسهولة كما يصبون.. ربما انتقوا فصيلة من تلك الفصائل
المقاومة للعلاج بشراسة..
"
الاحتمال الثالث: فيروس الإيدز HIV "
أي شيء
غير هذا الفيروس.. المشكلة في كوني طبيباً أنني أعلم الاحتمالات البهيجة لكل مرض..
إن الإيدز يعني انهيار جهازك المناعي ليصبح أضعف و أحقر ميكروب قادراً على إصابتك
بالمرض.. إن الدرن و السرطان هما احتمالان واردان للغاية أيضاً.. رباه، هذا يعني
أن الجائزة قد تضيع كلها في مصاريف العلاج..
لاحظ
أنهم يتخيرون أمراضهم بعناية.. يجب أن يكون مرضاً مزمناً، يجب أن يكون معد بأكثر
من طريقة، يجب أن يكون صعب التشخيص و خاصةً في البداية، يجب أن يكون عسير أو صعب
العلاج.. إن فكرة المؤامرة الإسرائيلية ليست صعبة التصديق إلى هذا الحد، أليس
كذلك؟
"الاحتمال
الرابع: جرعة عالية من مادة ال"بربتيوريت" Barbiturate، و هذا يعني...
الموت"
من جديد
دوت موسيقى الخطر لينقبض قلبي معها..
"الاحتمال
الخامس: المحقن الآمن.. و هو ماء مقطر، بعبارة أخرى: لا شيء على الإطلاق"
فجأة
حلت ألحان مرحة محل سابقتها المرعبة، و تعالت أصوات التشجيع..
"الاحتمال
السادس: المخدر"
هذا
يعني ببساطة مادة منومة.. لاحظ أنه في الحالتين الرابعة و السادسة كل ما سيراه
الجمهور هو سقوط المتسابق مغشياً عليه.. إذاً الاحتمال السادس تم إدراجه ضمن
القائمة لإضفاء عنصر التشويق، حيث يتساءل الجمهور في استمتاع هل مات المتسابق أم
هو فقط تأثير المخدر..
"الآن..
هلا نبدأ اللعبة؟"
وجدت
رأسي تهتز، هل أنا أومأت بها أم هو تأثير الرجفة؟
بدأت
المحاقن الستة الدوران داخل الجهاز الزجاجي.. طبعاً حركة لا داعي لها مادمت لا
أعرف مسبقاً أي محقن يحتوي ماذا، لكنها تثير الجمهور..
توقف
الجهاز و من مكان ما برزت إحداهن في زي الممرضات.. تقدمت بثقة و نزعت غطاء الجهاز
و أشارت لي كي أختار محقناً، كأنها تدعوني لانتقاء قطعة "بنبون" من
صندوق الحلوى..
هل هذه
يدي حقاً التي امتدت نحو الجهاز مرتجفة؟ هل هذا هو أصبعي الذي لامس ذلك المحقن؟ هل
يحمل فيروس، أم الدرن، أم الإيدز؟
هل هو
المخدر؟ هل هو الموت؟
"حسناً..
تذكر أن متسابقان قبلك هذا الشهر قد اختاروا المحقن الآمن"
قالتها
المقدمة مشجعة، لكني أعرف أن هذا لن يحدث.. أعرف أن هذا أجمل من أن يحدث..
الآن
الممرضة تقوم بكشف يدي اليمني.. تناولت المحقن المختار و نزعت غطاءه، و بثقة أولجت
الإبرة بإحدى أوردة ظهر يدي.. طبعاً تقوم بالحقن عبر الوريد ليكون التأثير سريعاً
للغاية، خطر هذا لي بينما الممرضة قد بدأت الحقن بالفعل.. نظرت إلى الجمهور المحيط
و تأملت علامات الترقب الوحشية على الوجوه.. لابد أن هناك موسيقى كذلك لكن ضربات
قلبي منعتني من سماعها للأسف.. خفضت عيني قليلاً و تأملت الرجلين الواقفين في
الكواليس و قد أمسكا بتلك المحفة، إنهم يترقبون في تأهب كذلك..
رفعت
الممرضة المحقن فرفعت رأسي و نظرت لها.. وددت أن أسألها هل هي ممرضة حقاً أم فقط
ترتدي مثلهم.. وددت أن أتكلم، لكني لم
استطع.. هل هو تأثير الخوف أم هو الوهن يزداد؟ هل جفناي ينغلقان بإرادتهما أم أن
أحدهم قد ألصق ثقلين بهما؟
هل بدأت
أفقد توازني؟ هل هذا هو صوت المحفة؟
هل هو
المخدر؟ أم هو الموت؟
لا
عرف.. حقاً لا أعرف.. أرجوك اتركني الآن فأنا أريد أن ارتاح.. و على أية حال إذا
استيقظت فسنعرف معاً.. فإذا لم، أرجوك.. أرجوك.. لا تنس من فضلك أن تأخذ المال إلى
ورثتي
تمت بحمد الله
نُشرت من قبل في: مجلة العربي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق