إن
جاء الذكر على الكتب بشتى أنواعها ( العلمي، التاريخي، الثقافي.. إلخ)، تجد البعض
يحقّرون من شأن الكتب الأدبية بصفة عامة، و القصصي منها (روايات، قصص قصيرة...
إلخ) بصفة خاصة.. فيخصصون لها مكان مظلم في ذيل قائمة الكتب الهامة.. فالكتب
الأدبية شحيحة في معلوماتها، مغدقة في تفاصيلها، و هي أقرب إلى وسيلة للتسلية أو لتزجيه
الوقت، و ذلك بخلاف أنواع الكتب الأخرى، و التي تقدم وجبة دسمة من المعلومات،
بصورة أكثر جدية.
إنها
النظرة الدونية إلى الأدب، و تهمة "الأهمية الأقل" و التي لطالما لطخت
سمعة الأدب.. و إن كان الشعر قد استطاع أن يترفع بثوبه – و لو قليلاً- عن تلك
اللطخات، باعتباره ذاك الوعاء الذي تُحفظ فيه اللغة العربية، فقد التصقت التهمة
بالشق النثري من الأدب، القصصي على وجه الدقة.
إذاً..
هل هي تهمة صحيحة؟ بالتأكيد لو كانت كذلك، لما كان هناك داعٍ لكتابة هذا المقال من
الأصل، فالتهمة واقعة بالفعل، و المتهم داخل قفص الاتهام.. لكننا اليوم سنرافع عنه
من أجل تبرئة ساحته، و إثبات إنه لا يقل أهمية عن مصادر القراءة الأخرى... فهل أنت
مستعد للمرافعة؟
تعريف الأدب
إن كنا سنرافع عن الأدب، فلابد لنا من الإطلاع على بطاقة
هوّيته أولاً..و المشكلة أن الأدب يملك العديد منها، فقد تبارى الأدباء و النقاد –
بل و رجال الدين و العلم – في وضع التعريفات له.. و تلك النقطة هي الأولى من نقاط
كثيرة تشير إلى أهمية الأدب، فمن المستحيل أن يبذل هؤلاء قصارى جهدهم من أجل تعريفه
فقط، ما لم يكن الأدب ذو أهمية قصوى بدوره.
تعريف الأدب.. في محاولة منا للإيجاز و التوفيق بين
التعريفات، يمكننا قول أن الأدب هو "فن صياغة الآداب"؛ فالأدب القصصي
إذاً هو "فن صياغة الآداب على هيئة قصة".. و إذا ذُكرت الآداب ذُكر
الخلق الحسن، و السلوك القويم، و التعامل السليم، فهي آداب الحديث، و آداب
المعاملة، و آداب الطريق.. إلخ.. لذلك سُمي أدباً، أليس كذلك؟
المهمة الأدبية العظمى
من هنا تنبع الأهمية الكبرى للأدب، أو لنسميها
"المهمة الأدبية العظمى"- على اعتبار أن الأدب له مهام عديدة أخرى لا
يتسع المجال لذكرها- و هي تقديم و إيصال الآداب إلى الإنسان.. فأنا عندما أمسك
بكتاب أدبي فهدفي هو التزود بالآداب، بخلاف الكتب العلمية – مثلاً- و التي تزودني
بالمعلومات.. هذه النقطة يجب أن تكون واضحة تماماً، فالأدب يستمد أهميته من الآداب
– و اعتقد أن أهمية الآداب لا تحتاج إلى توضيح – و كما يخبرنا المعجم الوسيط
فالأدب هو رياضة النفس.
الأدب، و المعلومات
إذاً لو جلبنا كتابين أحدهما أدبي و الآخر علمي، و أردنا
الحكم عليهما بطريقة علمية، فأخذنا كلاهما إلى "مقياس المعلومات"..
فسنجد أن حجم المعلومات بالكتاب الأدبي لا يقارن أبداً بحجم المعلومات بنظيره
العلمي، و قد يقدم الكتاب العلمي في صفحة واحدة من صفحاته نفس عدد المعلومات التي
قدمها كتاب أدبي في خمسمائة صفحة.. و هي نقطة أخرى يجب أن تكون واضحة، و أن نكون
صرحاء بشأنها.
إلا أن ما سبق هو نصف الحقيقة فقط، و إن أردنا الدقة
أكثر فهو النصف "الكمي" منها.. بمعنى أننا ركزنا على "كم"
المعلومات المقدمة، و أغفلنا "طريقة" التقديم نفسها.. فبينما يقدم
الكتاب العلمي معلومته بطريقة جافة لا طعم لها و لا رائحة، نجد أن الكتاب الأدبي –
و هو الفنان- يقدم ذات المعلومة بطريقة سهلة جذابة، يسهل معها الابتلاع و الهضم ،
و من ثم يحتفظ بها العقل لفترة أكبر.
فإن عدنا لمثالنا السابق، و قلنا أن ذات الكم من
المعلومات ستجده في صفحة رقم كذا من الكتاب العلمي كذا، و ستجده بصورة مبعثرة في
القصة الفلانية؛ فإنك إن قرأت الصفحة العلمية ثم حاولت استرجاع معلوماتها بعد شهر
كامل، فربما ستتذكر منها معلومة واحدة أو لاشيء على الإطلاق، بعكس ما سيحدث إن
حصلت على ذات المعلومات في هيئة قصة.
هكذا يمكننا القول – إجمالاً- أن الكتاب العلمي يتفوق
على الأدبي من ناحية الكم، بينما الأدبي يتفوق عليه من ناحية الكيف.
علمي.. متأدب
(فقرة
استطرادية-و يمكنك إن أردت القفز مباشرة إلى الفرقة التالية)
و الحقيقة أن "أسلوب التقديم" ما هو إلا
المجال التخصصي للأدب، باعتبار أن زبونه الدائم هو الآداب.. فأنت إن قلت لأحدهم
"التزم الصدق" فقد يحفظها عقله عنك، لكنها لن تُولج إلى قلبه.. هكذا لن
يلتزم بها، بعكس الحال إن صغت له ما تريده على هيئة أقصوصة، بل قد ينسى عقله
تفاصيل القصة بعد ذلك، لكنه يظل ملتزماً بما كانت تهدف إليه.
و قد يقول قائل أن الكتب العلمية ليست كلها جافة، فمنها
ما يقدم المعلومة بصورة مبسطة ميسورة، فيتفوق بذلك الكتاب العلمي الرشيق على أخيه
الجاف الذي "يفصل" منه اثنين أو ثلاثة.. و هذه حقيقة، و هي ترجع –
ببساطة- إلى كون هذا الكتاب قد استعان ببعض الأسلوب الأدبي، فالأعراض الكثيرة
للمرض الفلاني و التي تحفظها أنت بسهولة بالغة لأنها تبدأ جميعاً بذات الحروف – و
كما قدمها الكتاب العلمي – ما هي إلا صورة معدلة عن السجع و القافية، و التي
لطالما حفظ بها الأدباء الآلاف من القصص و القصائد الشعرية.. هكذا ظهر الكتاب
العلمي المتأدب، و الكتاب الأدبي ذو النكهة العلمية.
أيهما أهم، العلم أم الأدب؟
أيهما أهم.. الرجل أم المرأة؟ الفيزياء أم الكيمياء؟
الأرض أم السماء؟ العلم أم الأدب؟
فكلاً منهما له مجاله الذي يبرع فيه، و فوائده التي يقدمها،
فلا غنى عن أياً منهما.. فإذا كان العلم هو غذاء العقل، فالأدب هو غذاء القلب، و
إن كان العلم يعني بالمادة، فالأدب يعني بالمعنى.
عبرة التفضيل
و إنما العبرة في التفضيل هي "الظرف" و
"التوقيت".. فرائد الفضاء يتناول طعامه على المائدة عندما يكون بمنزله،
بينما يتناوله من أنبوب عندما يكون بمركبته، فما المائدة إلا الأدب، و ما الأنبوب
إلا العلم.. فعلينا أن نتخير لكل منهما الوقت و الظرف المناسبين، فلا نتأدب مثلاً
ليلة الامتحان، و نتعلم في الإجازة الصيفية.
ليس هذا فقط.. فكما نفعل مع الكتب العلمية، علينا كذلك التفضيل
بين الكتب الأدبية فيما بينها، فكما توجد كتب علمية تقدم معلومات غير دقيقة أو
تافهة، توجد كذلك كتب أدبية رثة المحتوى، لا معنى و لا أهمية لها.. فعليك – إذاً –
الاتسام بالحصافة عندما تقرر إضافة كتاباً جديداً إلى قائمة قراءاتك.
خـــاتـــمــــة
خير ما نختم به هو دليل دامغ على أهمية الأدب، أهم من كل
ما قلناه سابقاً.. و قد أرتأيت تأجيله إلى النهاية ليس استنطاعاً مني – لا سمح
الله – و إنما لنتدرج سوياً في ارتقاءنا إليه ، فلا نصل إلى هذا الدليل إلا عن فهم
و اقتناع.
الدليل ببساطة هو أن أعظم كتاب في الوجود ثلثه
بالكامل هو قَصَص، ألا و هو كتاب الله.. القرآن الكريم.
و لطالما كان العرب هم أسياد الأدب.. لكنهم انبهروا بما
صنعه الغرب من علم، فألقوا بما يحملونه من أدب لأجل اللهاث خلف العلم.. فخسروا
الأدب، و ما استطاعوا اللحاق بالعلم.
و دمتم في رعاية الله ^_^

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق