الجمعة، 25 يناير 2013

مسألة شرف 1/3


مسألة شرف
"إن الشيطان يذكّر الإنسان بالمفقود، لينسيه الشكر على الموجود"  ابن عطاء السكندري
"من كان معه فضلٍ من مال فليصلحه، فإن الرجل إذا احتاج فإن أول ما يبدله هو دينه" أمير المحدثين سفيان الثوري
*******
(1) ظلام
- "آدم، يا آدم.. لقد نفدت الحفاضات، هلا تنزل و تشتري لنا علبة أخرى؟"
جالساً وسط الظلام في غرفة مكتبي الصغير بمنزلي المرهون، و صلني النداء الأول لزوجتي لينتشلني من دوامة الأفكار.. نفدت؟ مرة أخرى؟
- "آدم.. هل تسمعني؟"
- "أسمعك.. سوف أنزل حالاً"
أما النداء الثاني فجعلني أحزم أمري، متخذا – أخيراً- ذاك القرار الذي ترددت فيه دهراً.
خرجت من الغرفة بعدما قمت بالترتيبات اللازمة، لأجد زوجتي جالسة وسط الشموع تداعب رضيعنا.. فلما رأت ظلي منبسطاً جوارها قالت و ظهرها لي:
- "من أين ستأتي بالمال يا آدم؟"
اقتربت منها و قلت في رفق:
- "لا عليكِ"
- "هل من ذاك الذي كنت ستدفع به فاتورة الكهرباء؟"
سكتّ ممتنعاً عن الإجابة.. هنا لاحظَتْ الانبعاج بجيب بذلتي، فسألتْ:
- "هل عدت للتدخين يا آدم؟"
تظنه علبة سجائر؟ ابتسمتُ- رغماً عني- من طيبتها الساذجة، و مددت يدي داخل الجيب المذكور لأتحسس الجسم المعدني الكائن هناك.. آه لو علمتي ما هو.
- "نعم، عدت للتدخين"
قلتها ثم تركتها مغادراً المنزل.
*******
للأسف.. نسيت أن أودع الصغير...
*******
عندما لاحت لي لافتة الشركة المضيئة، هدأت من سرعة سيارتي، متجهاً بها للجانب المنحني من الطريق.. و هناك أطفأت محركها و أضواءها، من ثم أخرجت من جيبي المسدس و عالجت صمام أمانه، متمنياً ألا اضطر لاستخدامه.
قابعاً وسط ظلام السيارة، القابع بدوره وسط ظلام الليل، رحت – و للمرة الألف- أراجع الخطة بذهني.
ماذا؟ من فضلك لا تكن غبياً.. أنا لا أنو القيام بسطو مسلح لأجل شراء بعض الحفاضات.. يمكنك القول أن ما حدث أمامك منذ قليل هو مجرد حلقة صغيرة في سلسلة لا تنتهي من الفقر و البؤس و الإفلاس.. هل تعلم المثل القائل "القشة التي قسمت ظهر البعير"؟حسن.. هو يلخص الأمس برمته.
أما عن خطة السطو نفسها، و كيفية اختيار المكان و الزمان المناسبين لتنفيذها، فكلها أمور لا تخصك برأيي.. فقط يكفيك معرفة أنها خطة محكمة للغاية، و أنها شركة صغيرة لتحويل الأموال، و أنها الواحدة بعد منتصف الليل.
أخيراً أظلمت اللافتة و خرج الموظف من باب الشركة، إيذاناً لي بالتحرك.. طبعاً ما زال الحارسان قابعين هناك، لكن عليّ التعامل معهما.. هممت بالخروج، عندها صم أذني صوت بوق عظيم.
التفت للخلف، فرأيت الهول قادماً...
*******
مقطورة تندفع بسرعة جنونية نحوي، و يبدو أن الظلام و انحناء الطريق جعلا صاحبها لا يرى سيارتي إلا متأخراً جداً.. كانت الآن يدي اليسرى ترتكز على مقبض الباب، بينما ترتعش يمناي على مفتاح التشغيل.. إما أن أقفز من السيارة، و إما أن أتحرك بها للأمام بضع أمتار حاسمة.. لحظة تردد ثمينة مرت، ثم – و لا أدري لماذا- اخترت الخيار الثاني.
أدرت مفتاح التشغيل فلم يستجب المحرك.. تباً.. مرة أخرى.. هه هه .. كنت الآن غارقاً في ضوء كشافات المقطورة،و التي لا يفصلها عني سوى أمتار قليلة.. أخيراً استجابت السيارة مندفعة للأمام، لكن للأسف بعد فوات الأوان.
شعرت بموجة الاصطدام تنبعث من مؤخرة السيارة ليرتج جسدي لها.. دارت السيارة مرتين حول نفسها، قبل أن تحيد خارجة عن الطريق.. و يبدو أنها ظلت تنقلب لبعض الوقت لأن جسدي عرف شعور المخلوط في الخلاط، بينما رأسي كمطرقة تهشم الزجاج هنا و هناك.
فجأة سكنت السيارة فسكن معها كل شيء، الضوضاء و الارتجاج و الألم.. و أخيراً الوعي.
ظلام التهم الموجودات من حولي بنهم مجنون، ظلام يخرج عن نطاق عمل الليل.. ظلام دامس.
*******
يتبع.....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق