(2) نور
ضوء مبهر.. ضوء مبهر انتزعني
من اللاوعي، و أجبرني على فتح عينيّ بصعوبة شديدة.. و عندما تأقلمتا أخيراً بدأت
أعرف أين أنا، أو بالأصح لا أعرف.
كنت راقداً على أرض
بيضاء، وسط مساحات لا نهائية من البياض.. يعلوني مباشرة نفق رأسي طويييل، في
نهايته نور ساطع.
اعتدلت من رقدتي مدركاً
أنني أحلم.. من الجميل التواجد بحلم مدركاً أنه كذلك.. هنا رأيت جماعة من القوم
يجلسون على خط البصر الفاصل بين السماء – حيث النفق- و الأرض البيضاء.. بتلقائية
نهضت من رقدتي و بدأت المشي نحوهم.. أول ما لاحظته هو جلستهم في دائرة شبه مكتملة،
كأنهم يتحلّقون حول شيء ما.. أما ما لاحظته بعد ذلك فجعلني أعيد النظر في استنتاجي
السابق: هل أنا في حلم حقاً، أم لعله كابوس؟
كانوا أغرب مجموعة من
القوم يمكنك تصورهم، سواء في عالم الواقع، أو في عالم الأحلام.. رعشة ثقيلة هزت
جسدي و أنا أواصل سيري نحوهم كالمغيّب.. وجدت مكاناً خال بينهم فجلست إليه، لتكتمل
بذلك الدائرة.
طأطأت برأسي متحاشياً
النظر إليهم، بالذات ذاك الذي يجلس القرفصاء قبالتي.. بعد برهة من الصمت المهيب،
بدأ ما يشبه لقاء التعارف، و يا ليته ما بدأ.
كان الرجل الجالس إلى
يميني هو أول البادئين.. غليظ الوجه هو، قوي البنية لكنه مكبل إلى الأرض بسلاسل
سوداء، و على مقربة منه لوح كتابة مثبت به مفتاح.. واضح أنها تعليمات لفك قيوده،
لكنه لا يراها للأسف بسبب تلك العصابة السوداء المحيطة بعينيه.
هذا هو شكله، و يمكنك
بعد ذلك تخيل صوته عندما قال:
- "أنا
الجهل"
الرجل الذي يليه في
متوالية الدائرة كان راقداً على جانبه الأيمن.. عجوز للغاية، هزيل للغاية في
جلبابه الممزق.. له وجه يتساقط اللحم منه، و هذا ألطف ما فيه بالمناسبة.. أما
الباقي فيعجز عنده الوصف.
- "أنا
السقم"
الثالث كان مكبلاً
كالأول، لكن بطريقة مهينة تجعل وجهه ممرغاً في بعض طين أمامه.. أما الأغرب فهو
فتحه لفمه الواسع، ملتهماً به ذاك الطين بنهم!.. و إن تمكن بطريقة ما من قول:
- "أنا
الجوع"
توقفت دائرة التعارف
عند الشخص الجالس إلى جوار الجوع و قبالتي، لتبدأ مرة أخرى من يساري.. و هو رجل
لطيف مقارنةً بالبقية، لا يعيبه سوى الهلع المحفور على وجهه، و عينيه اللتين
تدوران في محجريهما بجنون.. قال و هو يحاول احتضان نفسه بطريقة ما:
- "أنا
الخوف"
الذي يليه كان صبياً
صغيراً مكبل اليدين و القدمين، مكمم الفم.. فقط عيناه تنظران بلهفة إلى كومة أمامه
من الألعاب و الملابس البهيجة.. جال بذهني تساءل تافه عن الطريقة التي سيُعّرف بها
عن نفسه بدون فمه المغلق.. لكن لا شيء مستحيل في الأحلام، إذ التفتتْ إليٌ فجأة
إحدى العرائس القابعة بقربه، قائلة:
- "الحرمان"
أمّا
"القنوط" فكان يهتز باكياً بلا توقف، و إن كان يفعل ذلك بصمت.
هكذا اكتمل التعارف،
فيما عداي و المذكور آنفاً الجالس أمامي.
هل تعلم ذلك الشعور،
عندما تكون في كابوس مقيت، لكنك في الوقت ذاته تدرك أن الأسوأ لم يأت بعد؟ إذاً
فأنت تعلم شعوري الآن.
كانت – و بخلاف
الآخرين- امرأة، و هذا ما أدركته من هيئتها العامة.. و لم أدرك سواه، إذ كانت
متشحة بالسواد من قمة رأسها إلى أخمص قدميها.
أخيراً تكلمتْ، و يا
ليتها ما فعلت، إذ شعرتُ برعشة عظيمة ترج جسدي رجاً.
أخيراً تكلمتْ، و إذ
فعلت، خرج صوتها من حناجر الجهل و السقم و الجوع و الخوف و القنوط و الحرمان
–المكمم- و من حنجرتي.. سبعة أفواه تقول
في آن واحد:
- "أنا الفقر.. و
هؤلاء هم أبناءي"
*******
بعد برهة من الصمت
الثقيل، عادت لتقول:
- "من أنت يا عابر
السبيل؟"
من أنا؟ تملكني الإرهاق
بعد الرعشة الثانية المصاحبة لسؤالها، دعك بالطبع من ذاك الشعور الغريب الناجم عن
استهلاكها لحنجرتي، و صدقني بئس الاستهلاك هو.. من أنا؟ قلت أول إجابة خطرت بذهني،
قلتها بعفوية، قلتها بصدق:
- "أنا.. أنا
الإنسان"
برهة أخرى من الصمت
عادت لتغلفنا، قطعها سؤالي أنا هذه المرة:
- "ما هذا
الشيء؟"
ما أشرت إليه كان هو
مركز الدائرة.. لفافة صغيرة لا تستطيع عيناي رؤية ما بداخلها، فالنور العلوي
الساطع بأعلى النفق يسقط عمودياً عليها.. ربما هذا الشيء موجود من البداية، و ربما
وُجد الآن.. لم أعد أتذكر.
- "هذا هو ابني
الأصغر أيها العابر، و هو الأعز، و هو الأضعف"
مع قولها صدر من
اللفافة صوت بكاء.. إنه طفل، طفل رضيع!
- "و من هو؟"
-"أما و هو لا
يستطيع التعريف عن نفسه، فلماذا لا تتعرف عليه بنفسك؟"
بعدما هدأت رعشة
كلماتها الأخيرة، نهضت متثاقلاً و قررت رؤية ما بداخل اللفافة.. ربما بدافع
الفضول، و ربما بدافع آخر..
بمجرد أن اقتربت من
عمود النور إياه، فوجئت بأنني صرت وسط البياض اللانهائي مرة أخرى.. ما الذي حدث
بالضبط؟
- "وااااء..
وااااااء"
صوت البكاء الخافت
جعلني التفت للوراء، فقط لأرى حلقة هؤلاء القوم عند خط البصر، كما أول مرة.
أجدت السير إليهم، و
اقتربت مجدداً من مركز الدائرة، و مجدداً عدت لنقطة البداية.. هكذا – عالماً
بعبثيتها- كففت عن المحاولة، و عدت لاتخذ مكاني بينهم.
هنا بدأت الموجودات حول
حلقتنا تتغير شيئاً فشيئاً، فصارت الأرض أقرب ما يكون إلى الأرض التي نعرفها.. ليس
هذا فقط، فقد تصاعدت- تدريجياً- ضوضاء مألوفة، إنه صوت الحياة!.. و بالفعل، ما هي
إلا ثوان حتى ظهر الأول، ثم الثاني، فالثالث.. إنهم أناس من حولنا، أناس مثلي و
مثلك.
لم أندهش كثيراً، فقط
أثملتني الدهشة سابقاً حتى أعيتني.. اقترب أحدهم من مجلسنا، و للغرابة ألقى بشيء
من طعام إلى الجوع.. أما الأغرب فهو ما فعله الأخير، إذ أطبق عليه بفمه و زحف حتى
دائرة الضوء، ليلقي به – صدق أو لا تصدق- إلى الرضيع.
لحظات أخرى ثم تقدم منا
رجل آخر ليعطي السقم بعض العقاقير، فأزاحها السقم بعصاه إلى مركز الدائرة.. إلى
الرضيع.
تكرر الأمر مع الحرمان
و الجهل و البقية، ففي كل مرة يحصل أحد أبناء الفقر على ما هو في أشد الحاجة إليه،
يلقيه إلى الأخ الأصغر.. ما معنى هذا؟
يبدو أن الأم قد قرأت أفكاري – ولا أستغرب لهذا-
إذ قالت:
- " كما قلت لك يا
عابر السبيل.. لهذا هو الابن الأغلى، فلولاه لهُنّا، و لولاه لما كنّا"
- "و من هو؟ من
هو؟
- "كما قلت لك يا
عابر السبيل.. عليك أن تعرف اسمه بنفسك، أم تراك لا تستطيع؟ أم تراك لا تستحق الاستطاعة؟"
آه.. هذا ما كنت أخشاه.
أنا لست غبياً.. هذا
النور الساطع بنهاية النفق هو مخرجي من هنا، إن أي شخص يعلم قصة حلم النفق ذي
النور الساطع، حتى و إن كان هو من يحلم!
و السبيل الوحيد كما
يبدو للوصول إلى ذاك النور العلوي هو معرفة ماهية هذا الرضيع، و لمعرفة ماهيته
يتوجب عليّ الدخول بنفسي إلى دائرة الضوء.. و لاستطيع ذلك، فلابد أن استحق ذلك.
فكِّر.. فكِّر
لقد كنت موشكاً على
ارتكاب الخطيئة، "موشكاً" لكني لم أفعل.. مع ذلك لابد من وجود خطأ ما.
- "وااااااء..
واااااااء"
حتى صوت الابن الأصغر
يبدو مألوفاً.. الابن؟
نظرت حولي ببطء.. من
الغريب أنني لم أدرك هذا سوى الآن.. الحقيقة أنني – و بجلستي هذه – اُعتبر – و
بطريقة ما- ابن من الأبناء.. و لكن، هل أنا ابن عاق؟
لقد قدٌم كل واحدُ منهم
شيئاً إلى الرضيع.. وقتها فقط استطاع الدخول إلى دائرة الضوء، فهل عليّ تقديم شيء
أنا الآخر؟
- "وااااااء..
واااااااء"
مع التوتر، مددت يدي
لاشعورياً إلى جيبي طلباً لسيجارة كعهدي القديم.. لكني أوقفتها فوراً، فالآن هو
آخر وقت احتاج فيه إلى ارتكاب ذلك الخطأ، دعك من حقيقة عدم وجود سجائر معي أصلاً.
هنا تصلبت.. لا توجد
سجائر،نعم.. لكن يوجد شيئاً آخر
الآن فقط فهمت...
*******
......يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق